ابراهيم بن عمر البقاعي
464
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
الرهبانية في أنها لا تأباها قواعد الدين ما يفهمه بعض العلماء من الكتاب والسنة فيتذكره ، فيكون أخذنا له من الأصول التي نبه عليها لا منه ، كما أن الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم كانوا يفعلون أشياء فإن قررهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عليها كانت شرعا لنا وكنا آخذين لها من تفسيره صلّى اللّه عليه وسلّم لا منهم ، فإن من ملكه اللّه رتبة الاجتهاد في شيء وأمكنه فيه من القواعد فأداه اجتهاده إلى أن هذا مندوب إليه مرغوب فيه مثلا ، كان ذلك بما يشهد له من قواعد الدين بمنزلة ما قاله الصحابة رضي اللّه عنهم فأقرهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولا فرق بين أن يقرره النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بنفسه أو بقواعد شريعته ، ومهما كان مقررا بقواعد شرعه كان عليه أمره ، ومهما لم يكن مقررا بها كان مما ليس عليه أمره فهو رد على قائله ، فهذا فرق بين البدع الحسنة والبدع القبيحة - واللّه الموفق ، وذكر ابن برجان تنزيل هذا الحديث الذي فيه « لتتبعن سنن من كان قبلكم » « 1 » فذكر أن أصحاب عيسى عليه السّلام عملوا بعده بالإنجيل حتى قام فيهم ملك بدل كتابهم ، وشايعه على ذلك روم ويونان ، فضعف أهل الإيمان ، فاستذلوهم حتى هربوا إلى البراري ، وعملوا الصوامع وابتدعوا الرهبانية ، وكذلك كان في هذه لتصديق الحديث الشريف فإنه لما توفي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم تبعه خلفاؤه بإحسان ، فلما مضت الخلافة الراشدة تراكمت الفتن كما أخبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم واشتد البلاء على المتمسكين بصريح الإيمان ، ورجم البيت العتيق بحجارة المنجنيق وهدم ، وقتل عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنهما واستبيحت مدينة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ثلاثة أيام ، وقتل خيار من فيها فرأى المسلمون العزلة واجبة ، فلزموا الزوايا والمساجد وابتنوا الروابط على سواحل البحر وأخذوا في الجهاد للعدو والنفوس ، وعالجوا تصفية أخلاقهم ولزموا الفقر أخذا من أحوال أهل الصفة ، وتسموا بالصوفية وتكلموا على الورع والصدق والمنازل والأحوال والمقامات فهؤلاء وزان أولئك - واللّه الموفق . ذكر ما في الإنجيل من الحكم التي توجب الزهد في الدنيا والإقبال على اللّه التي يصح تمسك أهل هذه الرهبانية بها : قال متى وغيره وأغلب السياق لمتى : إن أخطأ عليك أخوك فاذهب أعتبه وحدكما ، فإن سمع منك فقد ربحت أخاك ، وإن لم يسمع منك فخذ معك واحدا أو اثنين ، لأن من فم شاهدين أو ثلاثة تقوم كل كلمة ، وإن لم يسمع منهم فقل للبيعة ، فإن لم يسمع من البيعة فيكون عندك كالوثني والعشار ، الحق أقول لكم ، وقال لوقا : انظروا الآن إن أخطأ إليك أخوك فانهه ، فإن تاب فاغفر له ، فإن أخطأ إليك سبع دفعات في اليوم ورجع إليك سبع دفعات يقول لك : أنا تائب ، فاغفر
--> ( 1 ) أخرجه البخاري 7320 ومسلم 2669 وابن حبان 6803 والطيالسي 2178 من حديث أبي سعيد الخدري .